هيكل في ميزان التاريخ

يكمل الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل عامه الثاني والتسعين في 23 سبتمبر الجاري، فكيف سيتعامل التاريخ مع التجربة العريضة لهذا الرجل؟ هل سينصفه ويضعه في مكان يليق بما أنجزه من نجاحات على مستوى الصحافة والسياسة؟ أم سيتعامل معه بالتي هي أسوأ، فيكيل له السباب ويتهمه بأن طموحه الكبير دفعه إلى استغلال علاقته بعبد الناصر ليبني لنفسه مجدا شخصيا على حساب المهنة ومصالح الوطن؟

قبل أن أجيب أظن أننا من الواجب أن نطل سريعا على حال مصر في الفترة التي ولد فيها هيكل - رعى الله أيامه ولياليه - لندرك المكونات العامة التي أسهمت في تكوينه الثقافي والمعرفي والنفسي.

ولد الرجل في 23 سبتمبر من عام 1923، أي بعد أربعة أعوام فقط من ثورة 1919، وبعد ثمانية أيام فقط أيضا من وفاة عبقري الموسيقى سيد درويش، وفي العام نفسه الذي وضع فيه أول دستور مصري حديث، وهو العام الذي هبطت فيه السيدة أم كلثوم أرض القاهرة قادمة من قريتها بالدقهلية لترتفع بالغناء إلى ذرى غير مسبوقة من السمو والعذوبة. وبعد ولادة هيكل بعام واحد - أي في 1924 - التقى أمير الشعراء أمد شوقي بالمطرب الشاب محمد عبد الوهاب فتغيرت الموسيقى وتطور الغناء.

في عام 1923 عرض أول فيلم روائي مصري وهو (في بلاد توت عنخ آمون)، وافتتح يوسف وهبي أول عروض فرقته المسرحية (فرقة رمسيس) التي تعد أول فرقة تتخذ من الطراز الأوروبي الحديث في التنظيم والإدارة منهاجا لها، فتغير شكل المسرح ووثب إلى الأمام. في ذلك العام أيضا كان جمال عبد الناصر طفلا لم يكمل عامه السادس بعد، وكان طه حسين يبحث ويكد في تراثنا الفكري والأدبي ليصدر بعد ثلاث سنوات فقط - أي في 1926 - كتابه المذهل (في الشعر الجاهلي) ليدمر المنهج الذهني الخامل الذي سطا على عقول المصريين قرونا طويلة، ويبشرهم بنعمة العقل ويدعوهم إلى التفكير المنطقي.

أرأيت كيف ولد هيكل في مناخ عامر بالفكر والثقافة والإبداع؟ لذا لا عجب أن يحلم الفتى الموهوب بالمجد ويسعى إليه، وأن يهيم بالصحافة ويدرك دورها في توجيه الرأي العام وقيادته، فلما انتبه إلى أن النظام الملكي القديم قد وصل إلى منتهاه من حيث القدرة على تطوير البلاد، فتجمدت الأحزاب السياسية في ثلاجة الاختلافات والصراعات المشبوهة، وعجزت عن تحقيق طموحات الملايين في الحرية والاستقلال والعدالة الاجتماعية. هنا انحاز هيكل إلى ضباط يوليو، وقال لنفسه... (إنهم فتية آمنوا بوطنهم) فازداد قناعة بما فعلوه.

أجل... عمل هيكل على تطوير نفسه بانتظام، واستثمر ملكاته الصحفية في البحث والتحري، وتزود بما يحتاجه الصحفي الماهر من معارف وآراء وأفكار، فقرأ التاريخ وأدرك قيمة الجغرافيا، وفهم دور المصالح في إدارة العلاقات السياسية وإشعال الحروب، وانتبه إلى أهمية الشعر والرواية في ترطيب وجدان الناس وترقيق مشاعرهم. ولعله الصحفي العربي الوحيد الذي يحفظ مئات القصائد من الشعر الجميل، فيستدعي الأبيات التي توافق ما يقوله أو تؤكده. ناهيك عن تمكنه التام من اللغة الإنجليزية التي يكتب ويتحدث بها بطلاقة. وها هي كتبه بالعربية والإنجليزية تشير إلى الجهد البحثي الجبار الذي يبذله الرجل حتى يطمئن إلى ما يقتنع بها ويريد أن نشاركه القناعة نفسها.

قل في هيكل ما شئت... اختلف معه كما تريد، لكن التاريخ سيقول إن هذا الرجل عشق مهنته كما لم يعشقها أحد، وأن هذا الرجل أحب الحكمة والمعرفة بصورة مدهشة، وأن كتبه ستظل مصدرا مهما لمن يريد أن يقرأ تاريخ الصراع في الشرق الأوسط في النصف الثاني من القرن العشرين.

أذكر جيدا الموقف المدهش الذي حدث بيني وبينه، وذلك في عام 2000 عندما فاز كتابي (تاريخ الرسم الصحفي في مصر) بجائزة أحمد بهاء الدين في دورتها الأولى. كنا في مكتبة القاهرة بالزمالك، وكان الأستاذ يتوسط المنصة وبجواره الدكتورة رضوى عاشور عضو لجنة تحكيم الجائزة والدكتور زياد بهاء الدين أمين عام الجائزة وابن الراحل الكبير بهاء، ومدير المكتبة، وطلب مني بوصفي الفائز أن ألقي كلمة سريعة تلخص محتوى الكتاب.

بالفعل تحدثت عن أهم المحطات في تاريخ الرسم الصحفي طوال قرنين من الزمن وأبرز الرسامين، وبعد الانتهاء صافحني الأستاذ هيكل وقال لي: (برافو عليك... لكنك نسيت سانتيز).

أسقط في يدي، وقلت له: (لقد ذكرته في كتابي، لكن الارتجال السريع أنساني إياه)، فابتسم وقال: (ما دمت قد ذكرته... برافو عليك).

وسانتيز هذا رسام أسباني جاء إلى مصر عام 1920 وظل عامين تقريبا يرسم في مجلة اللطائف المصورة ويقوم بتدريس الرسم في مدرسة الفنون الجميلة، ثم عاد إلى بلده فكيف عرفه الأستاذ؟ ألم أقل لك... إن هيكل عاشق للمعرفة؟

كل عام وحضرتك بألف خير يا أستاذ هيكل.    

التعليقات