ما بقى من الحرب

تمر سنوات وسنوات على ذكرى حرب أكتوبر المجيدة، تقرأ ما تقرأ، وتسمع ما تسمع، وتشاهد ما تشاهد، لكن اليقين الذى يجب أن تتحلى به، أن أى إنجاز عسكرى تحقق فى هذه الحرب يمكن أن تعتبره معجزة فى مجاله، يتضاءل أمام "مهنيتها" وهى فى تقديرى المعجزة الأهم فى هذه الحرب الخالدة.

يمكن أن تعتبر العبور معجزة، وتحطيم خط بارليف معجزة وهما كذلك، لكنهما يبقيان فى إطار النتائج التى سبقتها مقدمات جعلت ما تحقق طبيعياً ومنطقياً، وبرهاناً عادياً لمعطيات غاية فى الدقة.


إذا كنت تبحث عن درس مستفاد من هذه الأيام الخالدة بعد مرور 42 عاماً عليها، ويصلح للاستلهام حالياً، فلن يخرج عن هذه المهنية التى منحت الجيش المصرى، بجميع أسلحته وفروعه، الفرصة لخوض اختبار جاد وإثبات جدارته فى مواجهة حقيقية، ليجلس بعد ذلك فى مكانته المستحقة بين جيوش المنطقة.

المؤكد الآن أن أحداث يونيو 1967، بمرارتها وكارثيتها على جميع الأصعدة سياسياً وجغرافياً وعسكرياً، بقدر ما كانت "هزيمة خاطفة" دون مواجهة حقيقية، إلا أنها مثلت لحظة مهمة فى تاريخ العسكرية المصرية، حيث كانت سبباً مباشراً فى ميلاد جديد للجيش المصرى، وهو ميلاد جاء طبيعياً على يد عسكريين محترفين أجادوا مهنتهم وتفرغوا لها، ولم ينشغلوا بغير ترتيباتهم واستعداداتهم. لم تشتتهم السياسة وأفاعيلها، وعلمتهم الهزيمة وضع الخط الفاصل بين العسكرى والسياسى، فأبدعوا في مهمتهم بمستوى عال من الجودة والكفاءة، وأداروا ملحمة عسكرية هى الأهم والأعظم فى تاريخنا الحديث.

لكن هذا الانتصار الخالد جرى تقزيمه بعد سنوات قليلة.. واستمرت عملية التقزيم والرغبة فيها بشكل مستمر، على يد عسكريين سابقين تركوا مهنيتهم فى الميدان، وقدموا شهادات ملونة بألوان سياسية، وفيها قدر واسع من تصفية الحسابات، ومؤرخين غابت عنهم الموضوعية وغيبوا الاحتراف فكتبوا تاريخها ممزوجاً بانحيازاتهم السياسية فصعدوا بمؤيديهم وخسفوا بمعارضيهم، هولوا كل رد فعل إسرائيلى وقللوا من حجم كل إنجاز مصرى، ليس من أجل حقيقة أو قناعة بقدر ما هدفت إلى الطعن فى القائمين على المعركة.

على العكس من ذلك خرجت شهادة للمؤرخ الإسرائيلى البروفيسير أورى ميليشتاين، يعترف فيها بهزيمة فادحة لبلاده، ويقلل من كل أثر تضخمه الدعايات العربية والمصرية المناهضة للانتصار، وعلى رأسها وهم "ثغرة الدفرسوار".. وقبل ميليشتاين كثيرون فى إسرائيل اعترفوا بالهزيمة بين عسكريين وسياسيين ومثقفين وسينمائيين، لكن الفارق بينهم وبين نظرائهم فى مصر والعالم العربى، أنهم شهود مهنيون، ولاؤهم لمهنتهم وشرفها أكبر بكثير من الانحيازات السياسية الضيقة.

لم تكن حرب أكتوبر حرب السادات حتى يقلل من شأنها من يكرهون الرئيس الراحل ومن يختلفون معه، ولم تكن حرب عبد الناصر حتى يمجد محبوه حرب الاستنزاف، وهى تستحق، وخطة ما قبل عام 70، فى محاولة لسلب السادات إنجازه فى قيادة المعارك الحاسمة، كما أنها لم تكن حرب مبارك حتى سلب وحاشيته حوله كل إنجاز لصالحه وكادوا يصورون للأجيال الجديدة أن الحرب كانت الضربة الجوية وفقط.. والضربة الجوية كانت مبارك وفقط، وها هم يشكون حتى تجاهل دوره الطبيعى المجرد فى قيادة القوات الجوية، بعد أن استمروا ثلاثين عاماً يصنعون هذا التجاهل والتفصيل والانحياز فى رواية الحرب.

هذه الحرب وذلك الانتصار ملك الجيش المحترف المهنى الذى ابتعد عن الصراعات السياسية والتلوين الحزبى، خاصة منذ أعاد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر هيكلته لصالح المهنيين المحترفين من قيادات العسكرية المصرية عقب يونيو 67 واستمر بالنهج ذاته، وهو أيضاً ملك هذا الشعب الذى تحمل وضحى بأبنائه وقوته وأحلامه ليبلغ انتصاراً خالداً.

عندما غابت "المهنية" عن المجتمع غشيت سحب الضباب على الانتصار فأثارت حوله شكوكاً وانهالت عليه تقزيماً، وعندما ضاع الاحتراف تراجع وطن كامل فى كل مجال، أصبح إعلامنا يدار بمنطق تجارة الكتب، فى لحظة انتقلت فيها الحرب إلى ميدان الإعلام، وأصبحت برامجنا يقدمها صحفيون وممثلون ولاعبو كرة، لم يحققوا إنجازاً فى مهنتهم الأصلية التى احترفوها، ولم يضيفوا للإعلام إلا مزيداً من التسطيح والانسياق وراء إثارة الجماهير، وتحولت الثقافة من بناء العقول إلى بناء الحجارة، والبرلمان من أمل فى الرقابة والتشريع والتشارك فى الحكم، الى رغبة فى التصفيق والموافقة ودعم السلطة، والدبلوماسية من الحركة والحيوية إلى الدعاء، والقضاء من منصاته المقدسة الجليلة إلى الفضائيات والصحف، ورجال الدولة من سياسيين موهوبين ومحترفين إلى موظفين فاقدى الخيال، والتعليم إلى مظاهر بلا مضمون.

اليوم لا يعانى المجتمع فقط من غياب المهنية فحسب، بل والجدية كذلك وقد كانت الضلع الأهم فى هذا الانتصار.

ولا حل سوى فى انتشال هذا المجتمع من حالة التغييب المتعمد، والغرق فى خصومات السياسة وسحب تأثيرها على كل شىء، وإعادة الاعتبار للمهنية، والمضى فى هذا الاتجاه بجدية كاملة، لعلنا نجد مدرسة مهمومة بجودة التعليم أكثر من اهتمامها بمطاردة الطلاب المختلفين سياسياً، أو إثبات الولاء للسلطة فى طابور الصباح، وباحثون وأطباء مهمومون بالعلم ومنطقه وأحكامه، أكثر من اهتمامهم بتوظيف هذا العلم فى صراع سياسى، وإعلام مهموم بالحقيقة وليس بانحيازاته وخصوماته، ومجتمع كامل جاد فى العمل بضمير مهنى بمثقفيه وباحثيه وإعلامييه وأطباؤه ورجال أمنه وعسكرييه وعماله وصنايعيته.

لم يبق من حرب أكتوبر إذن سوى درس المهنية الجادة، وأى احتفال بها دون استدعاء هذا الدرس لا يعنى أنه بقى للحرب أى تأثير على المجتمع سوى لحظة فخر عابرة تمر مرة كل عام.

التعليقات