الحوار يفوز بنوبل للسلام

فور أن سمعت بنبأ فوز اللجنة الرباعية للحوار الوطني في تونس بجائزة نوبل للسلام هذا العام "لإسهامها الحاسم في بناء ديمقراطية تعددية بعد ثورة الياسمين عام 2011،" شعرت أن الرسالة موجهة إلى مصر. كانت التوقعات تشير إلى ترشيح بابا الفاتيكان، البابا الإنسان الرائع فرانسيس للجائزة، وكذلك المستشارة الألمانية انجيلا ميركيل بعد أن رحبت باستقبال عشرات الألوف اللاجئين الذين تدفقوا على القارة الأوربية من سوريا والعراق وتركيا ودول افريقية في مواجهة تيار عنصري متنام في عدة دول أوربية يرفض استقبال اللاجئين، غالبا لأنهم مسلمين، بجانب المخاوف التقليدية الأخرى على الوظائف ونمط الحياة المختلف للمهاجرين.

ولكن اللجنة النرويجية قررت أن تفاجأ الجميع وتمنح الجائزة للجنة الحوار التونسية التي جنبت بلدهم مصير مشابه لما نعاني منه في مصر على مدة العامين ونصف العام الماضيين من استقطاب سياسي، وعنف، وحرب تدور بلا توقف في شمال سيناء، وسعي حثيث لاحتكار الحديث بإسم الوطن من قبل النظام الحاكم بدعوى محاربة الإرهاب وهو ما أدى لقتل السياسة والإنهاء السريع للطموحات التي عبرت عنها ثورة 25 يناير في بناء مجتمع ديمقراطي مدني حديث يقوم على قبول التعددية واعتبارها نعمة وليست نقمة. ومن المؤكد أن إدارة الحوار والخروج بحلول ترضي مختلف الأطراف وتضمن استمرار السلم الداخلي وتجنب البلاد العنف هي من علامات التحضر والتقدم، مقابل استسهال سفك الدماء واللجوء لإجراءات القمع.

وقالت لجنة منح الجائزة أن الفريق الرباعي الذي أشرف على الحوار الوطني في تونس "قدم مسار سياسي سلمي بديل في وقت كانت تقف في البلاد على حافة الحرب الأهلية،" وذلك بعد أن احتدمت المواجهة، كما في مصر، بين أنصار الدولة المدنية وتيار الإسلام السياسي، وفي نفس التوقيت، منتصف العام 2013.

طبعا سيسارع بالبعض بالقول أن تونس لم ينته فيها الإرهاب، بل نجح المتطرفين هناك في توجيه ضربات موجعة لقي فيها العشرات من السائحين الأجانب والمواطنين التوانسة مصرعهم، كما أن أعداد المواطنين التوانسة ممن ينضمون للمنظمات الإرهابية كداعش والقاعدة وغيرها في الحروب الدائرة في سوريا والعراق لافت للغاية مقارنة بحداثة عهد الحركات الجهادية هناك في ضوء الديكتاتورية العلمانية طويلة الأمد التي أنشأها الحبيب بورقيبة ومن بعده الديكتاتور الفاسد زين العابدين بن علي. ولكن بقيت السياسة في تونس، وبقت التعددية، ويواصلون سعيهم لبناء مجتمع يقوم على احترام الدستور وسيادة القانون وحقوق الإنسان، مع الإقرار بأن المنطقة بأكملها تواجه خطر حقيقي يتمثل في زيادة نفوذ وقوة الجماعات المتشددة التي تمارس الإرهاب بإسم الدين.

لم نشهد في تاريخ المنطقة الحديث، أي بعد الحصول على الاستقلال الوطني من الاحتلال الانجليزي والفرنسي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، مثل هذا الامتداد لنفوذ الجماعات المتشددة المسلحة التي ترفع لواء اعادة بناء الخلافة الإسلامية، وسيطرتها بمفردها على مساحات شاسعة من أراضي دول عربية في سوريا والعراق. كما أن إنحلال وانهيار الحكومات المركزية في تلك الدول، وكذلك في ليبيا واليمن، خلق ملاذات آمنة ومصادر تمويل غير مسبوقة لهذه الجماعات المسلحة مما يزيد من خطورتها.

ولكن النموذج التونسي، والسبب وراء فوز لجنة الحوار الوطني نوبل للسلام، يتمثل في أن البديل للإرهاب والفكر المتشدد ونموذج داعش، بكل ما يحمله من عنف ووحشية وهمجية، هو الحوار والمصالحة الوطنية واحترام حقوق الإنسان وبناء دولة ديمقراطية حديثة. أما مواجهة الإرهاب عبر القوة واستخدام المزيد من القوة وقتل الديمقراطية والاستهتار بقيم التعددية واحترام حقوق الإنسان واحتكار الوطنية، فلا يمكن أن تؤدي سوى لزيادة خطر وحجم الإرهاب والاستمرار في دوامة العنف والعنف المضاد لسنوات طويلة.

أما نحن في مصر، فتبقى مشكلتنا الرئيسية متمثلة في غياب عقلاء تونس من تيار الإسلام السياسي ممن يدركون أنهم لا يمكنهم احتكار الحديث بإسم الدين أو تبرير استخدام العنف بأي شكل من الأشكال واعتباره جهادا في سبيل الله، وكذلك اصرار الأجهزة الأمنية النافذة على الاستهزاء بقيم إنسانية أساسية مثل الحوار والمصالحة واحترام حقوق الإنسان والتعددية، والتمسك بمنطق أن ما لا يتحقق باستخدام القوة والقمع في مواجهة الإرهاب أو أي مشكلة أخرى تتحدى النظام، سيتحقق باستخدام المزيد من القوة والقمع. هذه بالطبع ليست وصفة لنيل نوبل للسلام، ولكنها وصفة للعنف والمزيد من العنف.

 

 

التعليقات