شوية نصارى.. شوية إخوان

الطريق إلى القتل يبدأ بالتصنيف، وحين يحدث التصنيف يكون القتل أحيانا مبررًا، ودائما غير موجع.

قبل أن يقتلوك لا بد أن تكون «آخر»، لا أحد فى بلادنا يكترث بموت «الآخر»، لأن فى الضمير الجمعى الآخر مستوجب القتل لأنه آخر، حين نتركه يعيش فذلك من فرط سماحتنا، وحين نتركه يموت فذلك من فرط تمسكنا بثوابت الاعتقاد الدينى والوطنى.

صار طريق الجنائز وكأنه الفصل الأعمق فى كتاب التاريخ، وباتت المذبحة كلمة ليست ذات دلالة مأساوية تهز وجدان مَن يسمعها، وتحولت إلى مجرد لفظ دلالى يصف موت مجموعة من الأشخاص فى مكان واحد وبظروف متشابهة، مذبحة اليوم ومذبحة الأمس ومذبحة الغد، ما من فوارق غير هوية المذبوحين، وهوية من يبكون عليهم.

ما جرى أمام ماسبيرو، قبل ثلاثة أعوام، ربما يسهل لك فهم ما جرى فى «رابعة» قبل عام.

البداية أن تكون «آخر»، وأمام ماسبيرو كان التجلى الأوضح لعملية تحويل المسيحيين إلى «آخر»، لم يحدث ذلك بين يوم وليلة، لم يصنع ذلك الجيش والشرطة، ولم يصنعه الإخوان، ولم تصنعه الكنيسة، ولم تشرف عليه الدولة والمجتمع، صنعه الجميع منذ لحظة صعود الفهم الدينى الجديد القادم من صحراء لم تعرف التنوع ولم تحتك بالآخر سوى احتكاك حرب لا احتكاك حياة.

فتحت الدولة ذراعيها للإيمان الجديد، وظهر الفقه الجديد، هل أقدم التهنئة إلى جارى المسيحى فى عيده، هل آكل طعامه؟ هل أقبل رئاسته؟ هل يصلح لمنصب قيادى يتحكم فيه فى أرزاق المسلمين؟ هل أتركه يصلى فى منزله؟ هل سأنال أجرًا إذا ما منعته من بناء كنيسة؟ هل من الواجب علىّ التبرع لبناء مسجد أكبر وأكثر ارتفاعا من كنيسة الحى؟

تركت الدولة بعض مواطنيها يتحولون إلى «آخر»، وعزز الإخوان هذا المفهوم لأنهم فى عقل التنظيم بالفعل «آخر»، «تذكر: المتظاهرون معظمهم مسيحيين.. نعم للإسلام ولا للنصارى»، وارتاحت الكنيسة لهذا التصنيف، هى الآن ليست بيت الصلاة والروح، لكنها مؤسسة حكم كاملة تحتضن «الشعب القبطى» بديلًا عن الوطن أو وكيلا عنه فى التعامل مع الوطن، واستسهلت الدولة التعامل مع الأقباط كرقم واحد، مفتاحهم فى يد الكنيسة.

لكن 25 يناير حاولت تغيير كل هذه التفاهمات، لذلك حدث الصدام، التمهيد الإعلامى الرسمى كان مجرد استدعاء للحالة القائمة فعلا «الآخر- النصارى» يعترض ويصطدم ب«الوطن الجيش»، زر التحكم فى المقر الباباوى لا يعمل، والموت قادم قادم، الجندى يصرخ على الشاشة الحكومية «شوية مسيحيين ضربونا» ويشتم شتائم متعلقة بالعقيدة، هو ليس غاضبًا، لكنهم علموه ذلك وهم يبنون صورة الآخر فى وعيه. كانوا «شوية مسيحيين» فى وعى الجندى، وشوية نصارى فى وعى الإخوان يحاولون تعطيل مسيرتهم نحو السلطة، وشوية نصارى عند المجتمع الذى لا يكترث كثيرا.

كانت «ماسبيرو» تحديًا مبكرًا لسلطة تستعد للقدوم.. و«رابعة» تمسك متأخرًا بسلطة ذاهبة، ومحاولة لعرقلة خطوات السلطة القادمة، لذلك كانت النتيجة متشابهة مع اختلاف الدوافع بين من تحدى ليطلب فقط الحياة والحرية، ومن تحدى ليتشبث بالسلطة.

الذين شاركوا بدأب فى صنع الآخر المسيحى ثم صمتوا على موته أمام ماسبيرو، يتعجبون اليوم من الصمت على موتهم «كآخر» جديد فى «رابعة»، شارك فى صنعه أيضا كل الأطراف، إعلام فى الشاشات وعلى المنصة، وسياسات فى الخفاء والعلن، وصراع على السلطة وقوده الأبرياء، وتنظيم سرى معزول كـ«الجيتو».

يتساءلون عن صمت المجتمع على القتل، وينسون أنهم شاركوا فى تدريب الناس على عدم التعاطف مع «الآخر»، وكما مرروا قتل «شوية نصارى» لن يضير ضمائرهم المستقرة بقناعاتها قتل «شوية إخوان».

 

 

التعليقات