الفساد والأزمات لا يمنعان الفوز .. إلا في مصر

محمد صلاح وقديروف

الدور الذي لعبه اتحاد الكرة المصري في إدارة شئون الفريق الذي مثل مصر في كأس العالم أثار الكثير من السخط، ووجهت اتهامات بالفساد والتلاعب، ربطها الكثيرون بالإخفاق الذي أحاط بالمنتخب والخسارة التي حققها في كل المباريات التي لعبها قبل خروجه النهائي من البطولة. فهل يؤدي الفساد بالضرورة إلى الإخفاق الرياضي؟

في ثمانينات القرن الماضي واجهت الكرة الإيطالية أكبر فضيحة فساد في تاريخها، وربما في تاريخ كرة القدم عمومًا، حيث تورط كبار اللاعبين والأندية في جريمة تلاعب بنتائج المباريات لصالح شركات المراهنات، سُجن من سُجن، وأُوقف من أُوقف، وأرسلت المحاكم أندية عريقة مثل لاتسيو وميلان إلى دوري الدرجة الثانية، وبنهاية الأزمة تُوجت إيطاليا بكأس العام 1982، للمرة الثالثة في تاريخها.

وفي عام 2006 تعرضت إيطاليا لثاني أكبر فضيحة كروية في تاريخها، بعد اتهام كبار الأندية برشوة الحكام. حمل لاعبو إيطاليا كأس العالم في نفس العام، للمرة الرابعة تاريخيًا، وعندما عادوا لبلادهم التحق أبطال العالم بأنديتهم في دوري الدرجة الثانية، في عقوبة شديدة العنف أقرتها المحاكم الإيطالية لمنع تكرار وقائع التلاعب.

الأمر المشترك في المرتين أن إيطاليا كانت غارقة في الفساد، لكن هذا لم يمنع من تسخير كافة الموارد الممكنة للمنتخب الإيطالي.

وفي مطلع الألفية الجديدة سيطرت اليونان وأسبانيا على بطولة أوروبا للمنتخبات، في ذروة أزمة مالية طاحنة مر بها البلدان. وفي 2006 انفصلت دولتا صربيا والجبل الأسود، ولكن منتخبا موحدا للدولتين شارك في كأس العالم.

تشير هذه التجارب جميعا إلى أنه لا علاقة حتمية بين الفساد أو الأزمات المالية والسياسية وبين الفشل في كرة القدم من ناحية أخرى. كرة القدم مرتبطة بما يحدث في الملعب فقط، وما يؤثر عليه بشكل مباشر.

لكن مصر جلبت الأزمات إلى الملعب، فالشركة الراعية للمنتخب جارت على الحقوق المادية لـ "محمد صلاح" أفضل لاعب في تاريخ مصر، والهداف التاريخي للدوري الانجليزي في صورته الحالية.

كما سهل إداريو المنتخب وكبار اللاعبين مشاركة اللاعبين في مقابلات تليفزيونية وأدوار تمثيلية إعلانية داخل معسكر إقامتهم في روسيا، وقامت الشركة الراعية للمنتخب بإيفاد مجموعة من الفنانين لفندق إقامة المنتخب، دون أي اعتبار للحفاظ على تركيز اللاعبين.

وقبل البطولة بأيام معدودة، أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم تحويل مجدي عبد الغني، رئيس البعثة المصرية، وعضو مجلس اتحاد الكرة للتحقيق، بسبب سرقته ملابس المنتخب نفسه، ولكن عبد الغني رفض القرار، وهدد بفضح وقائع فساد داخل اتحاد الكرة لو تم استبعاده، فتراجع رئيس الاتحاد عن قراره، وسافر مجدي عبد الغني مع البعثة.

وإمعانًا في القضاء على تركيز اللاعبين، أعلن رئيس نادي الزمالك رحيل لاعبين من الزمالك، علي جبر وطارق حامد، إلى فريق آخر يمتلكه رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم، قبل المباراة الأخيرة مع السعودية بيوم واحد، ثم تم نفي الخبر في اليوم التالي.

وفيما يخص البُعد السياسي، اختارت البعثة الإقامة في جروزني عاصمة الشيشان بعيدًا عن ملعب أي مباراة من مبارياتها الثلاث، لتفوز البعثة المصرية بلقب أكثر البعثات سفرًا وإنهاكًا قبل المباريات، وفي جروزني تم استغلال محمد صلاح سياسيًا، لتجميل صورة الرئيس الشيشاني، رمضان قديروف، وغسل سمعة الرجل المتهم بانتهاكات لحقوق الإنسان وارتكاب مذابح ضد معارضيه.

وقد استخدم قديروف صلاح كوسيلة للدعاية السياسية، إذ أيقظه من غرفته في الفندق الذي يقيم به في جروزني، ليصحبه في جولة في أنحاء المدينة، ثم يمنحه المواطنة الشرفية في حفل للعشاء.

وهكذا منح الاتحاد المصري كل أسباب الفشل لبعثة المنتخب، وهي سابقة لم تشهدها الملاعب من قبل. وتحدث العديد من الصحف الأجنبية عن الأزمات التي وضع اتحاد الكرة المصري فريقه فيها، حتى كتبت الإندبندنت البريطانية مقالا أمس للكاتب، بينيدكت سبنس، بعنوان "اعتزال محمد صلاح سيكون مؤلما له ولمحبيه، ولكنه سيكون أيضا القرار الصحيح"، يتحدث فيه عن أنواع الاستغلال المختلفة التي تعرض لها اللاعب بسبب الاتحاد، وعلى رأسها الاستغلال السياسي في الشيشان.

التعليقات