تفاقم نزيف الليرة بسبب التخبط الأردوغانى

انتكاسة لليرة التركية

يوماً بعد يوم يتفاقم الوضع المتأزم للاقتصاد التركي، خاصة مع اتساع عجز الميزان التجاري، وتفاقم نزيف العملة المحلية، وصعود معدلات التضخم، وذلك مع استمرار السياسات الخاطئة التي ينتهجها الرئيس رجب طيب أردوغان بهدف تعزيز قبضته السياسية على البلاد، التي أدت إلى الانهيار الشديد في الاقتصاد التركي.

واختزل بعض المحللين والمراقبين، أزمة الاقتصاد التركي، في انخفاض قيمة العملة، وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية، إلا أن ذلك يمثل تبسيطاً شديداً لأزمة كبيرة تهدد اقتصاد البلاد، حيث انزلقت تركيا إلى الركود أواخر العام الماضي.

وبحسب استطلاع لوكالة "رويترز" العالمية للأنباء، فإن الاقتصاد التركي سيسجل انكماشاً هذا العام، بسبب السياسات الفاشلة التي يتبعها صهر أردوغان ووزير ماليته بيرات آلبيراق.

وكشفت الوكالة الدولية عن اقتراب السندات الحكومية التركية المقومة بالدولار واليورو من أدنى مستوياتها هذا العام مع استمرار الضغوط على أسواق البلاد المتضررة بشدة.

وغامرت حكومة أردوغان بإهدار 10 مليارات دولار في محاولات غير مدروسة لإنقاذ اقتصاد البلاد المتعثر، رغم معاناتها من أزمات الديون المعدومة وتهاوي احتياطيات النقد الأجنبي، حيث أعلنت أمس الأول، عن ضخ حزمة تمويل بقيمة 5 مليارات دولار تقريباً في عدة قطاعات اقتصادية، في خطوة هي الثانية من نوعها خلال أقل من شهرين، في أعقاب ضخ حزمة بنفس المبلغ في أبريل الماضي، بيد أن عدة مؤشرات كشفت عن أن نتائج الحزمة الثانية ستلحق بفشل الأولى خاصة في ظل تواصل انهيار قيمة الليرة.

وقالت الحكومة، إن "بنوكاً مملوكة للدولة ستقدم 30 مليار ليرة أخرى (4.9 مليار دولار) لشركات التصدير"، لكن وكالة رويترز أكدت أنه "في ظل ركود اقتصادي وادخار الأتراك لمبالغ قياسية من الدولارات وانخفاض الاحتياطيات الرسمية، يواصل الاقتصادي مزيداً من التراجع".

وتسعى تركيا جاهدة لدعم الليرة المنهكة التي فقدت أكثر من 40% من قيمتها على مدار العامين الماضيين.

أزمة كبيرة

ويعاني الاقتصاد التركي مشكلات أخرى أكثر وقعاً من تراجعات العملة وقطار التضخم السريع الذي يقارب الـ20%، وهي دخول الاقتصاد في ركود وتوقعات بانكماشه بنسبة 2.6% خلال العام الجاري، علاوة على ارتفاع البطالة إلى أرقام قياسية وصلت إلى 7.247 مليون عاطل.

ومن جانبها، قالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إنها "تتوقع انكماش اقتصاد تركيا 2.6% هذا العام، مخفضة توقعاتها مقارنة مع تقديرات سابقة لانكماش نسبته 1.8%".

وخفضت المنظمة توقعاتها للعام 2020 إلى نمو يبلغ 1.6% من تقديرات سابقة عند 3.2% في مارس، مشيرة إلى استمرار حالة عدم التيقن لدى المستثمرين بعد الانتخابات المحلية.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل فاقمت الانتخابات التركية، مؤخراً، الأزمة الاقتصادية في البلاد، ما أثار مخاوف المستثمرين وحالة عدم اليقين لديهم، وهو ما ينذر بخروج رؤوس الأموال من البلاد.

وأكدت مصادر، وفقاً لما ذكرته عدة وسائل إعلام تركية وغربية، أن هذه الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، تعود إلى معدلات الفساد التي تخطت نظام الرئيس أردوغان، إلى أقاربه وأبنائه، والذين وصلت ثرواتهم إلى ملايين الدولارات من خلال ممارسات اقتصادية غير مشروعة.

وحسب المصادر، فإن هذه الممارسات تمثل أغلبها في غسل الأموال والاتجار في النفط من داخل المناطق التي كانت تسيطر عليها داعش في العراق وسوريا.

التحايل على الأزمة

ومنذ أبريل الماضي تعيش الليرة التركية أسوأ فتراتها منذ أغسطس الماضي، على خلفية ضعف الاقتصاد من جهة، واستمرار تدخلات أردوغان في السياسات الاقتصادية والنقدية في البلاد.

واتخذت تركيا سلسلة من الإجراءات العاجلة للتحايل على الأزمة الاقتصادية، من بينها رفع الفوائد على ودائع الليرة، والتوجه نحو إنشاء وكالة تصنيف ائتمان محلية، في ظل شكوك أنقرة المستمرة حيال وكالات التصنيف الائتماني الدولية التي خفضت التصنيف الائتماني، ونشرت مؤشرات سلبية حول الاقتصاد التركي، كما ألقى الرئيس التركي باللائمة على الخارج، والترويج لنظرية المؤامرة.

غير أن هذه الإجراءات، وسلوك أردوغان في تفسير الأزمة، ليست في محلها، فتراجع الاقتصاد ليس وليد اللحظة، ولا يعود إلى التوتر بين تركيا ومحيطها الإقليمي والدولي، لكنه يعود إلى عوامل عدة من بينها: تراجع احتياطي تركيا من العملة الأجنبية بسبب تهديدات أردوغان لمشتريها فضلاً عن قرار للحكومة التركية في مارس الماضي بزيادة الضريبة على فوائد الودائع بالعملات الأجنبية التي تزيد مدتها على عام واحد من 13 إلى 18%، وتفاقم العجز في الميزانية التركية، حيث تجاوزت ورادات تركيا صادرتها بنسبة وصلت 48% ناهيك عن انحدار الناتج الصناعي بنسبة 7%، وصعود معدل البطالة إلى 14%، وهو الأعلى منذ 10 سنوات.

وكذلك، الانخراط التركي السلبي في أزمات الإقليم، وفي مقدمها الأزمة السورية وملفاتها المعقدة، إضافة إلى تدخلاتها في شؤون دول الإقليم، وكذلك تدخلات أردوغان غير المحسوبة في الاقتصاد، ومحاولته السيطرة على السياسة النقدية، وهو ما ترتب عليه هروب قطاع كبير من المستثمرين من البلاد، وسط مخاوف من عدم قدرة الدولة على سداد التزاماتها لهم.

أردوغان يغرق

وفي تقرير لصحيفة "دير ستاندرد" النمساوية، أمس، قالت إن "الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يغرق في أزمة كبيرة، بسبب تراجع معدلات الاقتصاد وارتفاع المخاطر التي تحيط به جراء العقوبات الأمريكية المرجح فرضها على أنقرة بسبب شراء منظومة "إس 400" الدفاعية التي كان من المقرر أن يتسلمها نظام أردوغان من موسكو هذا الصيف، حسب ما أعلنت أنقرة أكثر من مرة".

وارتبكت أسواق تركيا مع تصاعد أزمة الاقتصاد المحلي، لاستمرار هبوط الليرة مقابل الدولار إلى 6.05 للأسبوع الخامس على التوالي، ما أدي إلى تكبد بورصة إسطنبول خسائر كبيرة في تعاملات مايو الجاري.

لم يتوقف الأمر عند ذلك، فالاقتصاد التركي مهدد بمزيد من الانهيار خلال أسبوعين، بسبب احتمال فرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على أنقرة، وفقاً للصحيفة.

وأوضحت الصحيفة النمساوية في تقريرها إن "أنقرة لا تريد أن تتراجع عن صفقة منظومة "إس 400" الدفاعية من روسيا، فيما وضعت الولايات المتحدة مهلة تنتهي بعد أسبوعين لإلغاء الصفقة".

وتابعت "في حال لم تتراجع تركيا، ستفرض واشنطن عقوبات مؤلمة عليها ستدفع الليرة لانهيار كبير".
أردوغان المسؤول الأول والأخير

وحذر مسؤولون سابقون في صندوق النقد الدولي من أن تركيا قد تتخلف قريباً عن سداد ديونها الخارجية المتراكمة بسبب فشل رئيسها رجب طيب أردوغان في التعامل مع الأزمة الاقتصادية والمالية التي تضرب بلاده في الفترة الحالية، والتي أدت إلى حدوث هبوطٍ حادٍ في قيمة العملة المحلية.

وفي مقال يحمل عنوان "تركيا بصدد التخلف عن سداد ديونها وأردوغان يتحمل المسؤولية عن انهيار قيمة الليرة"، أكد الخبير الاقتصادي الدولي ديزموند لاكمان، أن الرئيس التركي هو المسؤول الأول والأخير عن الطريق المسدود الذي تواجه بلاده حالياً على الصعيد الاقتصادي والمالي.

وأشار الخبير المرموق إلى سياسات المحسوبية التي ينتهجها أردوغان، والتي عزل في إطارها المسؤولين الأكفاء في الشؤون المالية واختار "شخصياتٍ أشبه بالدُمى، توافق دائماً على كل قراراته، مثل ما حدث عندما عين صهره وزيراً للمالية".

وأضاف أن "أردوغان أذكى مخاوف المستثمرين في مدى قدرة الاقتصاد التركي على الخروج من أزمته عبر تبنيه سياساتٍ طائشةٍ أخرى، من قبيل تدخله السافر لإعادة الانتخابات المحلية في مدينة إسطنبول، بعدما خسر مرشح حزبه الاقتراع الذي أُجري هناك في 31 مارس الماضي، أمام مرشح المعارضة".

وبحسب المقال، تشكل الاضطرابات السياسية التي تموج بها تركيا حالياً عاملاً إضافياً من شأنه إضعاف قيمة الليرة، وتراجع ثقة المستثمرين.

ويرشح استمرار المشكلات الاقتصادية التي تواجهها تركيا حالياً، في المدى المنظور والمتوسط، بالنظر إلى تركيز السلطات النقدية التركية على إجراءات قصيرة الأجل على حساب سياسة نقدية فعالة وإصلاح اقتصادي جوهري، وهو ما أدى إلى إخفاق الحكومة في علاج تفاقم معدل التضخم وتراجع الليرة.

التعليقات